الغزالي

116

إحياء علوم الدين

فقد روي أنه إن لم يجد شيئا فليضع في مخلاته [ 1 ] حجرا وكأن هذا مبالغة في الاستحثاث على هذه المكرمة ، لأن الأعين تمتد إلى القادم من السفر ، والقلوب تفرح به فيتأكد الاستحباب في تأكيد فرحهم ، وإظهار التفات القلب في السفر إلى ذكرهم بما يستصحبه في الطريق لهم ، فهذه جملة من الآداب الظاهرة وأما الآداب الباطنة ففي الفصل الأول بيان جملة منها ، وجملته أن لا يسافر إلا إذا كان زيادة دينه في السفر ، ومهما وجد قلبه متغيرا إلى نقصان فليقف ولينصرف ، ولا ينبغي أن يجاوز همه منزله بل ينزل حيث ينزل قلبه ، وينوي في دخول كل بلدة أن يرى شيوخها ، ويجتهد أن يستفيد من كل واحد منهم أدبا أو كلمة لينتفع بها لا ليحكي ذلك ، ويظهر أنه لقى المشايخ ولا يقيم ببلدة أكثر من أسبوع أو عشرة أيام ، إلا أن يأمره الشيخ المقصود بذلك ولا يجالس في مدة الإقامة إلا الفقراء الصادقين ، وإن كان قصده زيارة أخ فلا يزيد على ثلاثة أيام فهو حد الضيافة ، إلا إذا شق على أخيه مفارقته ، وإذا قصد زيارة شيخ فلا يقيم عنده أكثر من يوم وليلة ، ولا يشغل نفسه بالعشرة ، فإن ذلك يقطع بركة سفره ، وكلما دخل بلدا لا يشتغل بشيء سوى زيارة الشيخ بزيارة منزله فإن كان في بيته فلا يدق عليه بابه ، ولا يستأذن عليه إلى أن يخرج ، فإذا خرج تقدم إليه بأدب فسلم عليه ، ولا يتكلم بين يديه إلا أن يسأله فإن سأله أجاب بقدر السؤال ، ولا يسأله عن مسألة ما لم يستأذن أولا ، وإذا كان في السفر فلا يكثر ذكر أطعمة البلدان وأسخيائها ، ولا ذكر أصدقائه فيها ، وليذكر مشايخها وفقراءها ولا يهمل في سفره زيارة قبور الصالحين ، بل يتفقدها في كل قرية وبلدة ، ولا يظهر حاجته إلا بقدر الضرورة ، ومع من يقدر على إزالتها ، ويلازم في الطريق الذكر وقراءة القرءان بحيث لا يسمع غيره ، وإذا كلمه إنسان فليترك الذكر وليجبه ما دام يحدثه ، ثم ليرجع إلى ما كان عليه ، فإن تبرمت نفسه بالسفر أو بالإقامة فليخالفها ، فالبركة في مخالفة النفس وإذا تيسرت له خدمة قوم صالحين فلا ينبغي له أن يسافر تبرما بالخدمة ، فذلك كفران نعمة ومهما وجد نفسه في نقصان عما كان عليه في الحضر فليعلم أن سفره معلول وليرجع إذ لو كان لحق لظهر أثره . قال رجل لأبي عثمان المغربي خرج فلان مسافرا : فقال